محمد سعيد رمضان البوطي
25
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
الوحي الإلهي كله بما يتبعه ويتضمنه من إخباراته عن النشور والحساب والجنة والنار بالحجة الطبيعية ذاتها . كما غاب عنهم أن الدين الصالح في ذاته لا يحتاج في عصر ما إلى مصلح يتدارك شأنه ، أو إصلاح يغيّر من جوهره . غاب عن هؤلاء الناس هذا كله ، مع أن إدراكهم له كان من أبسط مقتضيات العلم . لو كانوا يتمتعون بحقيقته وينسجمون مع منطقيته . لكن أعينهم عشيت في غمرة انبهارها بالنهضة الأوربية الحديثة وما قد حفّ بها من شعارات العلم وألفاظه ، فلم تبصر من حقائق المنطق والعلم إلا عناوينها وشعاراتها ، وقد كانوا بأمس الحاجة إلى فهم كامل لما وراء تلك العناوين وإلى هضم صحيح لمضمون تلك الشعارات . فلم يعد يستأثر بتفكيرهم إلا خيال نهضة ( إصلاحية ) تطور العقيدة الإسلامية هنا كما تطورت العقيدة النصرانية هناك . وهكذا ، فقد كان عماد هذه المدرسة الحديثة التي أشرنا إليها بإيجاز ، هياجا في النفس ، أكثر من أن يكون حقيقة علمية مدروسة استحوذت على العقل . مصير هذه المدرسة اليوم : والحقيقة أن الاهتمام بهذه المدرسة في كتابة السّيرة وفهمها ، والحماسة التي ظهرت يوما ما لدى البعض في الأخذ بها - إنما كان منعطفا تاريخيا ومرّ . . وعذر أولئك الذين كتب عليهم أن يمروا بذلك المنعطف أو يمر هو بهم ، أنهم كانوا - كما قلنا - يفتحون أعينهم إذ ذاك على خبر النهضة العلمية في أوروبا ، بعد طول غفلة وإغماض . وإنه لأمر طبيعي أن تنبهر العين عند أول لقياها مع الضياء ، فلا تتبين حقائق الأشياء ، ولا تتميز الأشباه عن بعضها . حتى إذا مرّ وقت ، واستراحت العين إلى الضياء ، أخذت الأشياء تتمايز وبدت الحقائق واضحة جلية لالبس فيها ولا غموض . وهذا ما قد تمّ فعلا . فقد انجابت الغاشية ، وصفت أسباب الرؤية السليمة أمام الأبصار ؛ أبصار الجيل الواعي المثقف اليوم . فانطلق يتعامل مع حقيقة العلم وجوهره ، بعد أولئك الذين أخذوا بألفاظه وانخدعوا بشعاراته ، ثم عادوا وقد أيقنوا ببصيرة الباحث العليم والمفكر الحر ، بأن شيئا مما يسمى بالخوارق والمعجزات لا يمكن أن يتنافى في جوهره مع حقائق العلم وموازينه . ذلك لأن هذه الخوارق سميت كذلك لخرقها لما هو مألوف أمام الناس . وما كان للإلف أو العادة أن يكون مقياسا علميا لما هو ممكن وغير ممكن . وهيهات أن يقضي العلم يوما ما بأن كل ما استأنست إليه عين الإنسان مما هو مألوف هو وحده ممكن الوقوع ، وأن كل ما استوحشت منه عين الإنسان مما هو غير مألوف له غير ممكن الوقوع . ولقد علم كل باحث ومثقف اليوم بأن أحدث ما انتهت إليه مدارك العلماء في هذا الصدد ،